الجمعة، 2 سبتمبر 2016

التكنولوجيات الجديدة تجعل المجتمع أكثر ثراء عبر زراعتها الثقة

هاشتاق عربي

يسهل علينا أن ننسى أن حتى أتفه المعاملات التجارية تعتمد على مقدار، ولو صغير، من الثقة. وعلى الرغم من أن القوانين تشجع بطبيعتها السلوك الحسن، تفتقر الدول للموارد اللازمة لاجبار الجميع على تبني السلوكيات الجيدة في كل وقت.
وتُبقي الثقة المجتمع ناشطا وفعالا، فمجرد طلب بيتزا يسلتزم الإيمان بأن عجينها صنعت بعناية وأن المطعم لن يستغل أو يسيء استخدام معلومات بطاقة ائتمان العميل، وأن رجل التسليم لن يفر بما يحمل من بضاعة. وعلى صعيد الشراكات الأكثر تعقيداً، تلك التي تجعل النمو الاقتصادي ممكناً على المدى الطويل، فلا شك بأنها تحتاج درجات أعلى من الثقة.
وتوفر التكنولوجيات الجديدة، من تطبيقات المشاركة الاقتصادية وغيرها، في هذا السياق الحلول لمحاربة الافتقار للثقة الذي يقف عائقاً في وجه النمو. ومع ذلك، سواء أكانت هذه الحلول تَبنِي على أو تُقوض العلاقات الاجتماعية أم لا، تعتبر هذه المسألة شائكة بطبيعتها.
ولا تعد الثقة مجرد تفصيل دقيق ومهم في المجتمعات، فهي تجعل من الممكن، وفقا لإحدى الأوراق البحثية، "إلزام الموارد بنشاط تعتمد نتائجه على سلوك الآخرين التعاوني". وتحدد خسائر المجتمعات منخفضة الثقة المتراكمة من الوقت والمال الأمور التي يمكن الاعتماد عليها وآليات الدفاع عن مخازن الثروة الضعيفة، فضلا عن وسائل الاحتراز من المضللين. وتعتبر هذه المجتمعات الأراضي القاحلة للاستثمارات المدى الطويل والمكاسب التي يمكن أن يسيطر عليها المنافسون أو أن تسرقها الحكومات.
وفي الوقت نفسه، تبقى الثقة عالية والدفاع ضد الإحتيال عند مستويات منخفضة في بعض دول العالم الأكثر ثراء. ووجدت الدراسات التي تناولت العلاقة بين تدابير الثقة والنمو الاقتصادي صلة وثيقة بينهما. بحيث تقترح الأبحاث أن الثقة تعزز التجارة والمشاركة في الأسواق المالية والاستثمار، ما يوحي بأن زيادة الثقة في مكان ما تحفز الأنشطة التي تجعل منه أكثر ثراء ونمواً.
وللأسف، ليست زراعة الثقة بالأمر الهين، فهي شكل من أشكال رأس المال الاجتماعي يتطلب بناءه الوقت والجهد. وتخلق تفاعلات الثقة الإيجابية المتكررة أسس الثقة المتبادلة. ففي المجتمعات ذات العلاقات الوثيقة، تُثبط التلميحات العاطفية، كالثناء والعار، بشكل جيد الأنشطة والسلوكيات المعادية لهذه المجتمعات. وفي البيئات الغنية برأس المال الاجتماعي، ترتفع معدلات العودة إلى السلوك التعاوني، بحيث يمكنك أن تصنع المزيد من المال باتباع القوانين وبإنشاء عملك التجاري الخاص، على سبيل المثال، بدلا من العدول عن عقد بسبب التخوف عند أول فرصة تتاح لك.
ويعتبر الذين يتمتعون بحس الابتكار أذكياء في إيجاد سبل التفافية حول اختناقات الثقة. فالاعتماد على الأسر أو القبائل (الجماعات التي تتحاذى فيها مصالح الأفراد بشكل أوثق من تلك بين السكان بشكل عام) استراتيجية مشتركة جيدة. ومع ذلك، وبحكم طبيعتها، تظهر هذه الحلول وأنها محدودة النطاق، في ضوء أنها تترك العديد من أفراد المجتمع معزولين.
لذلك، توفر التكنولوجيات الحديثة نهجا واعدا أفضل. وتعني إمكانية استخدام شركة ما الإنترنت لمراقبة إنتاجها في مصنع لها يقع في النصف الآخر من عالم، إن الشركات لا تحتاج دائماً إلى إقامة علاقات وثيقة مع الموردين الأجانب قبل افتتاح هذا المصنع البعيد جغرافيا. وإلى جانب ذلك، يمكن لشبكة اتصالات بين تجار التجزئة وبالبنوك أن تساعد في التحقق من قدرة الزبون على الدفع أيضاً.
وتفتح التكنولوجيات الحديثة الطريق أمام الاستثمارات وعمليات الشراء الجديدة، ولكن يبقى من الصعب تقدير إذا ما كانت هذه النعمة ستواصل على المدى الطويل أم لا. وفي عالمنا من البيانات الكبيرة، ربما يثق الناس فقط بما يستطيعون التحقق منه إلكترونياً. ففي مقالة نشرت مؤخراً، رثى برانكو مالكوفيتش من جامعة "سيتي" في نيويورك" "تسليع" العمل الذي أصبح ممكناً بفضل تطبيقات وضع الأسواق.
وبين مالكوفيتش أن تمكين الغرباء من مزاولة الأعمال التجارية سريعاً يحرر الناس من الحاجة إلى التعامل بلطف، وقد تضمر في إطار ذلك مهاراتهم في بناء الثقة. وبالمثل، خرج تايلر كوين، من جامعة جورج ماسون، مؤخراً بنتيجة أن الناس بينما يعتادون التفاعل أكثر مع الآلات الذكية (مثل سيري أبل)، التي لا تقتضي المجاملات الاجتماعية، ربما يصبح من الأصعب عليهم بناء علاقات مع البشر. ويمكن أن تديم التكنولوجيات هذا التمييز: بحيث "تتعلم" الخوارزميات المستخدمة في اتخاذ قرارات الإقراض أو معالجة الحديث البشري، في بعض الأحيان، كيف تصبح عنصرية عبر تحليلها البيانات التي يتم تغذيتها بها.
الكمبيوتر يقول نعم
على مر التاريخ، رغم ما سبق عن سلبيات التكنولوجيا، قامت التكنولوجيا بالكثير على صعيد فتح المجتمع على الغير لا فصله عنهم، وسهلت الحديثة منها الوثوق بالمجموعات غير المألوفة. وعلى سبيل المثال، أصبحت التصنيفات العامة تُنقص من التمييز المتواجد. وربما يشعر سائقو سيارات الأجرة، الذين قد يكونون يمرون بسرعة متخطين عرقا يختلف عن عرقهم، بالراحة أكثر لنقل مجموعة مختلفة من الركاب الذين حصَّلوا تصنيفات جيدة على موقع شركة "أوبر"، شركة النقل الأميركية متعددة الجنسيات على شبكة الإنترنت".
ووجدت دراسة استقصائية أجرتها "بلابلاكار"، خدمة تقاسم الركوب الشعبية، أن 88 % من أعضائها أبلغوا عن درجة عالية من الثقة بالمستخدمين الآخرين التي علت نسبة وثوقهم بزملائهم أو جيرانهم. وفي دراسة أجريت في أميركا، وجد كل من ألبيرتو اليسينا من جامعة هارفارد، وإليانا لا فيرارا من جامعة "بوكوني" في ميلانو، أن الأماكن التي تتمتع بالنسب الأعلى لتنوع العرق والدخل هي التي تعاني حدوداً دُنيا للثقة. ومن خلال ترتيب التفاعلات عبر هذه الحدود، يمكن للتكنولوجيا أن توسع دائرة الثقة.
وكثيراً ما تشجع التطبيقات السلوك الحسن أيضاً، حيث تعني التصنيفات العامة، كتلك التي توفرها "أوبر" لسائقيها أو التي تجمعها "ييلب" عن الأعمال التجارية، أن خدمة العملاء الجيدة تغدو أكثر وأكثر أهمية في الاستحواذ على أعمال جديدة، بينما تخاطر الشركات والعملاء ذوي السلوكيات السيئة بتقلد سمعتهم وصمة عار دائمة.
وربما لا يبدو أن الاعتماد على نظرية فرض الانضباط الذاتي "بانوبتيكون" الاجتماعية وأنه ذلك النوع من الثقة الذي يدعم النمو الاقتصادي. فالأمر يختلف بين استخدام "إيربنب" (السوق المفتوحة على الإنترنت التي تتيح لمستخدميها إيجاد واستئجار غرف في المناطق المراد زيارتها) من أجل استئجار غرفة لدى شخص آخر ذو خلفية مختلفة، وبين إقامة الروابط الاجتماعية العميقة اللازمة لدعم الاستثمارات طويلة الأجل. وفيما يخص الالتزامات الكبيرة، لن يتخلى الناس فجأة عن حس الحماية والأمان الخاص بهم مهما أصبحت التكنولوجيا مثيرة للإعجاب أكثر. ومع ذلك، تبقى الثقة عادة، الأمر الذي يجعل من تكثيف استخدام التكنولوجيات الحديثة التي تشجع على التعاون في بعض مجالات الحياة يساهم في تمكين رأس المال الاجتماعي بدلاً من إضعافه.

المصدر : صحيفة الغد الأردنية
ترجمة ينال أبو زينة عن "الإيكونوميست"



المصدر هاشتاق عربي

المصدر

0 التعليقات:

إرسال تعليق